الشوكاني
79
فتح القدير
بالمعروف . أو الظلم بالعفو ، أو الذنب بالتوبة . ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة ( لهم عقبى الدار ) العقبى مصدر كالعاقبة ، والمراد بالدار الدنيا ، وعقباها الجنة ، وقيل المراد بالدار : الدار الآخرة ، وعقباها الجنة للمطيعين . والنار للعصاة ( جنات عدن يدخلونها ) بدل من عقبى الدار أي لهم جنات عدن ، ويجوز أن يكون مبتدأ ، وخبره يدخلونها . والعدن أصله الإقامة ، ثم صار علما لجنة من الجنان . قال القشيري : وجنات عدن : وسط الجنة وقصبتها وسقفها عرش الرحمن ، ولكن في صحيح البخاري وغيره " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة " . ( ومن صلح من آبائهم ) يشمل الآباء والأمهات ( وأزواجهم وذرياتهم ) معطوف على الضمير في يدخلون . وجاز ذلك للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه : أي ويدخلها أزواجهم وذرياتهم . وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك ، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ) أي من جميع أبواب المنازل التي يسكنونها ، أو المراد من كل باب من أبواب التحف والهدايا من الله سبحانه ( سلام عليكم ) ( أي قائلين سلام عليكم : أي سلمتم من الآفات أو دامت لكم السلامة ( بما صبرتم ) أي بسبب صبركم وهو متعلق بالسلام : أي إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم أو متعلق بعليكم . أو بمحذوف : أي هذه الكرامة بسبب صبركم أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ( فنعم عقبى الدار ) جاء سبحانه بهذه الجملة المتضمنة لمدح ما أعطاهم من عقبى الدار المتقدم ذكرها للترغيب والتشويق ، ثم اتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء . فقال ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) وقد مر تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير النقض والقطع . ولم يتعرض لنفى الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدمة لدخولها في النقض والقطع ( ويفسدون في الأرض ) بالكفر وارتكاب المعاصي والأضرار بالأنفس والأموال ( أولئك ) الموصوفون بهذه الصفات الذميمة ( لهم ) بسبب ذلك ( اللعنة ) : أي الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه ( ولهم سوء الدار ) أي سوء عاقبة دار الدنيا ، وهى النار أو عذاب النار . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق ) قال : هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه ( كمن هو أعمى ) قال : عن الحق فلا يبصره ولا يعقله ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) فبين من هم ؟ فقال ( الذين يوفون بعهد الله ) . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أولوا الألباب قال : من كان له لب : أي عقل . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين آية من القرآن . وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن البر والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) يعنى من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها ( ويخشون ربهم ) يعنى يخافون من قطيعة ما أمر الله به أن يوصل ( ويخافون سوء الحساب ) يعنى شدة الحساب . وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) قال : يدفعون بالحسنة السيئة . وأخرج عبد الرزاق والفريابي